مسؤول اختار أن يكون قريباً من الناس

 

في مطار دبي الدولي، حيث تتقاطع حكايات البشر كل يوم، وحيث تعبر آلاف الوجوه صالات السفر حاملة معها أحلاماً وذكريات وأسئلة لا يعرف أصحابها أحياناً إلى أين تقودهم، تبدو التفاصيل الإنسانية الصغيرة أكثر حضوراً مما قد يعتقده كثيرون، فبين مسافر جاء للمرة الأولى ولا يعرف إلى أين يتجه، وكبير في السن يحتاج إلى من يرشده، وشخص من أصحاب الهمم يبحث عن مساعدة، وأسرة تحاول أن تجد طريقها وسط حركة لا تهدأ، وطفل يحدق بعينين واسعتين في عالم المطار للمرة الأولى، هناك دائماً من يلتفت إلى هذه التفاصيل التي قد تمر على الآخرين عابرة، لكنه يراها جزءاً أساسياً من معنى أن تقدم خدمة للإنسان. وفي مبنى 3 بمطار دبي الدولي، يتكرر مشهد ربما لا يلفت انتباه كثير من المسافرين، لكنه يحمل في داخله حكاية تستحق أن تُروى؛ رجل يتحرك بين العابرين، يتوقف عندما يلمح شخصاً يحتاج إلى مساعدة، يقترب من مسافر يبحث عن إجابة، يطمئن على كبير في السن، ويتابع مع فرق العمل تفاصيل موقف قد يبدو بسيطاً، لكنه بالنسبة إلى صاحبه قد يكون مهماً، ثم يمضي إلى مكان آخر من الصالة وكأنه يعرف أن المطار، رغم اتساعه وضخامة الحركة فيه، لا يمكن أن يُدار من خلف مكتب بعيد عن الناس. وقد يراه المسافر للوهلة الأولى واحداً من أفراد الفريق الميداني الذين اعتاد وجودهم في صالات المطار، وربما لا يخطر في باله أن الرجل الذي وقف إلى جواره ليس موظفاً يؤدي مهمة عابرة، وإنما المقدم جمعة بن صبيح، مدير إدارة مراقبة جوازات مطار دبي – مبنى 3، الذي اختار أن يكون قريباً من الناس، لا يكتفي بأن تصله صورة العمل عبر التقارير والمؤشرات، وإنما يذهب بنفسه إلى المكان الذي يعيش فيه المسافر تجربته بكل تفاصيلها. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لأن ما يميز حضور جمعة بن صبيح ليس موقفاً واحداً يمكن أن تلتقطه كاميرا ثم ينتهي، وإنما ذلك الحضور الذي أصبح جزءاً من يومه، وهو يتابع حركة الجوازات من أرض المطار، ويتحدث إلى المسافرين، ويرصد ما قد يحتاج إلى تدخل أو متابعة، ويقترب ممن يحتاج إلى مساعدة، ويحرص على أن تكتمل الخدمة قبل أن يغادر صاحبها، وكأن الإدارة بالنسبة إليه لا تبدأ عندما يدخل مكتبه، وإنما تبدأ عندما يقف أمامه إنسان يحتاج إلى من يسمعه ويرشده ويطمئنه. وتحكي الصور التي توثق وجوده في صالات المطار أكثر مما يمكن أن تقوله الكلمات، ففي واحدة يظهر إلى جوار كبير في السن، وفي أخرى مع شخص من أصحاب الهمم، وفي مشهد ثالث يحيط بعائلة أو يتابع طفلاً، بينما تظهر صور أخرى بين فرق الجوازات وهو يتابع سير العمل وتفاصيله، وفي كل هذه المشاهد تبدو الفكرة واحدة، وهي أن المسؤول الذي يريد أن يعرف حقيقة الخدمة لا يكفيه أن يقرأ عنها في تقرير، لأن هناك تفاصيل لا تظهر في الأرقام، ومشاعر لا يمكن أن تسجلها المؤشرات، واحتياجات لا يعرفها المسؤول إلا عندما يقف في المكان نفسه الذي يقف فيه المسافر. ربما لهذا يبدو المشهد إنسانياً أكثر من كونه إدارياً، فالمسؤول الذي يقترب من الناس لا يمنحهم فقط شعوراً بأن هناك من يهتم بهم، وإنما يرسل أيضاً رسالة إلى فريق العمل بأن الخدمة ليست إجراءً ينتهي بختم أو معاملة، وإنما تجربة يعيشها إنسان قد يكون مسافراً للمرة الأولى، أو أماً تحمل أطفالها، أو مسناً لا يعرف تفاصيل المكان، أو شخصاً من أصحاب الهمم يحتاج إلى عناية مختلفة، وكل واحد من هؤلاء يستحق أن يشعر بأن وجوده في المطار ليس مجرد رقم آخر في حركة المسافرين. وفي دبي، حيث ارتبط العمل الحكومي بثقافة القرب من الناس والنزول إلى الميدان ومتابعة الخدمات من مواقع تقديمها، تبدو هذه الصورة امتداداً لنهج قيادي رسخه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في العمل الحكومي، حيث لا تكون القيادة بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية للناس، بل حاضرة بينهم، تستمع إليهم وتتابع احتياجاتهم وتبحث عن تطوير الخدمة من واقع التجربة نفسها. وفي إقامة دبي، يجد هذا النهج امتداده في متابعة معالي الفريق محمد أحمد المري، مدير عام الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب بدبي، لمواقع العمل وحرصه على أن يكون قريباً من الموظفين والمتعاملين، وهو ما يجعل حضور المقدم جمعة بن صبيح في صالات المطار صورة من صور ثقافة أوسع ترى في الميدان المكان الحقيقي لاختبار جودة الخدمة، وترى في المسؤولية كلما كبرت سبباً إضافياً للقرب من الناس، لا مبرراً للابتعاد عنهم. وقد لا يعرف المسافر الذي توقف جمعة بن صبيح لمساعدته من هو الرجل الذي وقف إلى جانبه، وربما لا يعرف منصبه ولا اسم الإدارة التي يقودها، وربما يغادر المطار دون أن يفكر كثيراً في ذلك اللقاء القصير، لكن ما قد يبقى في ذاكرته هو الشعور الذي تركه ذلك الموقف، شعور بأن هناك من انتبه إليه في مكان مزدحم، وأن هناك شخصاً لم يكتفِ بأن يراه من بعيد، وإنما اقترب منه وسأله عما يحتاج إليه، ثم تابع الأمر حتى اطمأن إلى أن المشكلة انتهت. وهنا تتحول القصة من حكاية رجل يعمل في مطار إلى حكاية مدينة تظهر في أبسط تفاصيلها، فمطار دبي ليس مجرد بوابة يصل عبرها العالم إلى المدينة أو يغادرها منها، وإنما هو في كثير من الأحيان أول صورة يراها المسافر عن دبي، وأول تجربة يعيشها فيها، وقد لا يتذكر بعد سنوات عدد بوابات المطار أو تفاصيل صالاته، لكنه قد يتذكر الإنسان الذي مد له يد المساعدة في لحظة احتاج فيها إليها، أو الموظف الذي ابتسم له، أو المسؤول الذي توقف ليسأل عن حاله، لأن المدن لا تسكن في ذاكرة الناس بما تملكه من مبانٍ ضخمة فقط، وإنما بما تمنحه لهم من مشاعر وتجارب إنسانية. وفي زحام المطار، حيث تتغير الوجوه كل دقيقة، قد تكون هناك حكايات كثيرة لا نعرف أصحابها، وقد يكون بين المسافرين من سيحمل معه قصة صغيرة عن رجل لم يعرف أنه مدير إدارة مراقبة جوازات، لكنه عرف أنه كان موجوداً عندما احتاج إليه، وربما تكون هذه هي الصورة الأصدق للخدمة التي تريدها المدن لنفسها، حين لا يشعر الإنسان أنه يتعامل مع منصب أو مؤسسة، وإنما مع إنسان يرى احتياجه ويمنحه وقته واهتمامه. وقد لا يعرف المسافر اسم جمعة بن صبيح عندما يغادر مطار دبي، لكنه سيعرف شيئاً أهم، وهو الطريقة التي عومل بها، وربما بعد أن يصل إلى وجهته ويحكي لأسرته عن رحلته، لن يتحدث عن منصب الرجل الذي قابله، وإنما سيقول ببساطة إن شخصاً في مطار دبي انتبه إليه وساعده، وفي هذه الجملة الصغيرة تختصر حكاية أكبر عن مدينة تريد أن تكون صورتها في عيون زوارها امتداداً لإنسانيتها، وعن قيادة تؤمن بأن أقرب طريق إلى جودة الخدمة يبدأ من الاقتراب من الإنسان نفسه. ففي النهاية، قد تتغير الطائرات، وتتبدل الوجوه، وتزدحم الصالات بالمسافرين، لكن ما يبقى في الذاكرة هو ذلك الشعور البسيط بأنك، وسط آلاف العابرين، لم تكن مجرد مسافر آخر، لأن أحداً توقف للحظة ورآك، واستمع إليك، وحرص على أن تصل إلى وجهتك وأنت تحمل معك شيئاً من تلك المدينة التي مررت بها. وربما لهذا، حين يغادر المسافر مطار دبي ولا يعرف اسم الرجل الذي ساعده ولا منصبه، فإنه يكون قد عرف شيئاً أكثر أهمية من كل المسميات؛ لقد عرف كيف عاملته دبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختيار المحرر

الأكثر قراءة